أحمد الشرباصي

67

موسوعة اخلاق القرآن

لتوسع البشر في اعمال الفلاحة والزراعة ، وما يرقيها من فنون الصناعة ، وسائر وسائل العمران ، واظهار عجائب علم اللّه وحكمته وقدرته في العالم ورحمته واحسانه بالخلق . ولو وقف الانسان عندما تنبت له الأرض من الغذاء لحفظ حياة أفراده الشخصية وبقاء حياته النوعية كسائر أنواع الحيوان ، لما وجد شيء من هذه العلوم والفنون والاعمال . وهل كان ما ذكر في بيان خلقه الأول من أكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عنها الا بدافع غريزة كشف المجهول ، والحرص على الوصول إلى الممنوع ؟ . وهل كان ما ذكر من حرمانهما من الراحة بنعيم الجنة التي يعيشان فيها رغدا بغير عمل ، الا لبيان سنة اللّه في جعل هذا النوع عالما صناعيا تدفعه الحاجة إلى العمل ويدفعه العمل إلى العلم ، ويدفعه حب الراحة إلى التعب ، ويثمر له التعب الراحة ؟ وقد عرف من اختبار قبائل هذا النوع وشعوبه ، في حالي بداوته وحضارته أنه يتعب ويبذل في سبيل الزينة فوق ما يتعب ويبذل في سبيل ضروريات المعيشة ، وكثيرا ما يفضلها عليها عند التعارض ، فالمرء قد يضيق على نفسه في طعامه وشرابه ليوفر لنفسه ثمنا لثوب فاخر ، يتزين به في الأعياد والمجامع ، وماذا تقول في المرأة وهي أشد حبا للزينة من الرجل ، وقد تؤثرها على جميع اللذات الأخرى ؟ . وان توسع الأغنياء في أنواع الزينة التي ينفسون بها على الفقراء هو الذي وسع الطرق لاستفادة هؤلاء من فضل أموال أولئك ، فان الغواصين الذين يستخرجون اللؤلؤ من أعماق البحار ، وعمال الصياغة والحياكة والتطريز والبناء والنقش ، والتصوير وسائر الزينات ، كلهم أو جلهم من الفقراء الذين يتزين الأغنياء بما يعملون لهم ، وهم منه محرومون ، ولكنهم لا يصلون إلى ما لا بد لهم منه من معيشة وزينة تليق بهم الا بسبب تنافس الأغنياء فيه .